فخر الدين الرازي
75
تفسير الرازي
سورة التكاثر ثمان آيات مكية بسم الله الرحمن الرحيم * ( ألهاكم التكاثر ، حتى زرتم المقابر ) * فيه مسائل : المسألة الأولى : الإلهاء الصرف إلى اللهو . واللهو الانصراف إلى ما يدعو إليه الهوى ، ومعلوم أن الانصراف إلى الشيء يقتضي الإعراض عن غيره ، فلهذا قال أهل اللغة : ألهاني فلان عن كذا أي أنساني وشغلني ، ومنه الحديث : " أن الزبير كان سمع صوت الرعد لهى عن حديثه " أن تركه وأعرض عنه ، وكل شيء تركته فقد لهيت عنه ، والتكاثر التباهي بكثرة المال والجاه والمناقب يقال : تكاثر القوم تكاثراً إذا تعادلوا مالهم من كثرة المناقب ، وقال أبو مسلم : التكاثر تفاعل عن الكثرة والتفاعل يقع على أحد وجوه ثلاثة يحتمل أن يكون بين الاثنين فيكون مفاعله ، ويحتمل تكلف الفعل تقول : تكارهت على كذا إذا فعلته وأنت كاره ، وتقول : تباعدت عن الأمر إذا تكلفت العمى عنه وتقول : تغافلت ، ويحتمل أيضاً الفعل بنفسه كما تقول : تباعدت عن الأمر أي بعدت عنه ، ولفظ التكاثر في هذه الآية ويحتمل الوجهين الأولين ، فيحتمل التكاثر بمعنى المفاعلة لأنه كم من اثنين يقول كل واحد منهما لصاحبه : * ( أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً ) * ويحتمل تكلف الكثرة فإن الحريص يتكلف جميع عمره تكثير ماله ، واعلم أن التفاخر والتكاثر شيء واحد ونظير هذه الآية قوله تعالى : * ( وتفاخر بينكم ) * . المسألة الثانية : اعلم أن التفاخر إنما يكون بإثبات الإنسان نوعاً من أنواع السعادة لنفسه ، وأجناس السعادة ثلاثة : فأحدها : في النفس والثانية : في البدن والثالثة : فيما يطيف بالبدن من خارج ، أما التي في النفس فهي العلوم والأخلاق الفاضلة وهما المرادان بقوله حكاية عن إبراهيم : * ( رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين ) * وبهما ينال البقاء الأبدي والسعادة السرمدية . وأما التي في البدن فهي الصحة والجمال وهي المرتبة الثانية ، وأما التي تطيف بالبدن من خارج فقسمان : ة أحدهما : ضروري وهو المال والجاه والآخر غير ضروري وهو الأقرباء والأصدقاء